فخر الدين الرازي
40
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
في معنى ذلك وجهان أحدهما : الأمر ذلك والمبتدأ محذوف ويحتمل أن يقال ذلك واجب أو مقدم ، كما يقول القائل إن فعلت فذاك أي فذاك مقصود ومطلوب ، ثم بيّن أن قتالهم ليس طريقا متعينا بل اللّه لو أراد أهلكهم من غير جند . قوله تعالى : وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ . أي ولكن ليكلفكم فيحصل لكم شرف باختياره إياكم لهذا الأمر . فإن قيل ما التحقيق في قولنا التكليف ابتلاء وامتحان واللّه يعلم السر وأخفى ، وماذا يفهم من قوله وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ؟ نقول فيه وجوه الأول : أن المراد منه يفعل ذلك فعل المبتلين أي كما يفعل المبتلى المختبر ، ومنها أن اللّه تعالى يبلو ليظهر الأمر لغيره إما للملائكة وإما للناس ، والتحقيق هو أن الابتلاء والامتحان والاختبار فعل يظهر بسببه أمر غير متعين عند العقلاء بالنظر إليه قصدا إلى ظهوره ، وقولنا فعل يظهر بسببه أمر ظاهر الدخول في مفهوم الابتداء ، لأن ما لا يظهر بسببه شيء أصلا لا يسمى ابتلاء ، أما قولنا أمر غير متعين عند العقلاء ، وذلك لأن من يضرب بسيفه على القثاء والخيار لا يقال إنه يمتحن ، لأن الأمر الذي يظهر منه متعين وهو القطع والقد بقسمين ، فإذا ضرب بسيفه سبعا يقال يمتحن بسيفه ليدفع عن نفسه وقد يقده وقد لا يقده ، وأما قولنا ليظهر منه ذلك فلأن من يضرب سبعا بسيفه ليدفعه عن نفسه لا يقال إنه ممتحن لأن ضربه ليس لظهور أمر متعين ، إذا علم هذا فنقول اللّه تعالى إذا أمرنا بفعل يظهر بسببه أمر غير متعين ، وهو إما الطاعة أو المعصية في العقول ليظهر ذلك يكون ممتحنا ، وإن كان عالما به لكون عدم العلم مقارنا فينا لابتلائنا فإذا ابتلينا وعدم العلم فينا مستمر أمرنا وليس من ضرورات الابتلاء ، فإن قيل الابتلاء فائدته حصول العلم عند المبتلى ، فإذا كان اللّه تعالى عالما فأية فائدة فيه ؟ نقول ليس هذا سؤال يختص بالابتلاء ، فإن قول القائل : لم ابتلى كقول القائل لم عاقب الكافر وهو مستغن ، ولم خلق النار محرقة وهو قادر على أن يخلقها بحيث تنفع ولا تضر ؟ وجوابه : لا يسأل عما يفعل ، ونقول حينئذ ما قاله المتقدمون إنه لظهور الأمر المتعين لإله ، وبعد هذا فنقول : المبتلى لا حاجة له إلى الأمر الذي يظهر من الابتلاء ، فإن الممتحن للسيف فيما ذكرنا من الصورة لا حاجة له إلى قطع ما يجرب السيف فيه حتى أنه لو كان محتاجا ، كما ضربنا من مثال دفع السبع بالسيف لا يقال إنه يمتحن وقوله لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ إشارة إلى عدم الحاجة تقريرا لقوله ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ . ثم قال تعالى : وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ . قرئ قتلوا وقاتلوا والكل مناسب لما تقدم ، أما من قرأ قتلوا فلأنه لما قال : فَضَرْبَ الرِّقابِ ومعناه فاقتلوهم بين ما للقاتل بقوله وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ ردا على من زعم أن القتل فساد محرم إذ هو إفناء من هو مكرم ، فقال عملهم ليس كحسنة الكافر يبطل بل هو فوق حسنات الكافر أضل اللّه أعمال الكفار ، ولن يضل القاتلين ، فكيف يكون القتل سيئة ، وأما من قرأ قاتلوا فهو أكثر فائدة وأعم تناولا ، لأنه يدخل فيه من سعى في القتل سواء قتل أو لم يقتل ، وأما من قرأ وَالَّذِينَ قُتِلُوا على البناء للمفعول فنقول هي مناسبة لما تقدم من وجوه أحدها : هو أنه تعالى / لما قال : فَضَرْبَ الرِّقابِ أي اقتلوا والقتل لا يتأتى إلا بالإقدام وخوف أن يقتل المقدم يمنعه من الإقدام ، فقال لا تخافوا القتل فإن من يقتل في سبيل اللّه له من الأجر والثواب ما لا يمنع المقاتل من القتال بل يحثه عليه وثانيها : هو أنه تعالى لما قال : لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ